000

      التفكر مقالات الرئيسية 1
 
هل عانيت يوما من رهبة التحدث أمام الآخرين اذن اضغط هنا
الطفل العنيد
العلاج المعرفي للإكتئاب
بيوت تأهيل المدمنين
الشخصية العدوانية
الخوف من الموت
حمل كتاب الوسواس القهري
 
من مواقعنا
نفسي دوت نت

 

الأكثر قراءة
إضطرابات النوم
العلاج الدوائي لمرض الإكتئاب
أعراض الوسواس القهري
الحركات اللإرادية عند الأطفال
العلاج الدوائي للفصام
الخوف الإجتماعي
توكيد الذات
الإعتداء الجنسي على الأطفال
الخوف من الموت
مفاهيم خاطئة للمرض والعلاج النفسي
 
تابعونا على
قناة الصوتيات issu you authar face
 
 
مقالات
التفكر
في الصبر
في علاج العشق
حتى تكون اسعد الناس
الوسائل المفيدة للحياة السعيدة
مفاهيم خاطئة للمرض والعلاج النفسي
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

 

التفكر

عن ابن عباس رضي الله عنهما، تفكر ساعة خير من قيام ليلة. ونحن نركز في هذا البحث علي التفكر باعتباره عبادة حرة طليقة مقارنين بين التفكر والتفكير وبين التفكر والتأمل الارتقائي.

فالنشاط الفكري الداخلي للإنسان سواء شعر به الفرد أم لم يشعر. هو الذي يوجه سلوكه وتصرفاته الخارجية وليست البيئة بمثيراتها المختلفة والاستجابات المباشرة لها – هو الموجه الأول للإنسان وأساس تفسير سلوكه وما وصل إليه علم النفس المعرفي يؤكد صدق ما قرره الإسلام في أن التفكر في آيات الله في الأنفس والآفاق هو العمود الفقري للإيمان الذي ينبثق منه كل عمل خير.

وسوف نقترح تصورا نفسيا لمراحل التفكر.

ابتداء من مرحلة الإدراك الحسي وانتهاء بمنزلة المراقبة والبصيرة الثاقبة ونصفُ الذين يصلون إليها الآن بأن قلوبهم ليس فيها سوي محبة الله وإرادته وعبادته...يشهدون المخلوقات قائمة بأمره مدبرة بمشيئته بل مستجيبة له قانتة له.

إن أحد أهم مكونات السلوك الإنساني هو العامل الروحي وعلي ذلك فالتفاعل بين العوامل الجسمية والنفسية والاجتماعية الحضارية والروحية هو الذي يحدد السلوك الإنساني وليس كما اعتبر السلوكيون أن التفكير ليس إلا مجموعة متشابكة من المثيرات والاستجابات التي لا تعدو أن تكون حديث الشخص الداخلي مع نفسه وهذا أمر يدعو حقيقة للتفكر والتدبر في خلق الله وإلى التفكر في حقيقة التفكر والتدبر وأثرها النفسي والروحي والسلوكي علي الإنسان .

إن ما يفكر فيه الإنسان هو الذي يؤثر علي معتقداته وسلوكه فإذا كان تفكيره في صنع الله ونعمه كان ذلك سببا في زيادة إيمانه والارتقاء بأعماله وسلوكه وإن كان تفكيره في ملاذه وشهواته صرفه ذلك عن دينه وانحط سلوكه –وإن كان تفكيره في مخاوفه وأحاسيسه بالإحباط والفشل والتشاؤم كان ذلك سببا في إصابته بالأمراض النفسية فكل عمل اختياري يقوم به الإنسان يسبقه نشاط فكري معرفي داخلي وإن العقل الإنساني لا يكف مطلقا في أي لحظة من لحظات الليل أو النهار عن النشاط الفكري سواء شعر الإنسان بذلك أو لم يشعر.

فالنشاط الفكري الداخلي للإنسان هو الذي يوجه سلوكه وتصرفاته الخارجية هذا الاستنتاج يؤكد صدق ما قرره الإسلام في أن التفكر في خلق الله هو العمود الفقري للإيمان الذي ينبثق عنه كل عمل خير كما أسلفنا . فكل عمل يبدأ بنشاط معرفي كخاطرة أو تخيل أو إدراك حسن أو انفعال...وهذا النشاط المعرفي إذا ازدادت قوته أصبح دافعا للسلوك وإذا قام الفرد بهذا السلوك المدفوع وكرره فان الأفكار الداخلية حينئذ تكتسب القدرة علي الإتيان بهذه الأعمال بطريقة تلقائية حتى تصبح عادة متأصلة – فإذا أردنا علاج هذه العادة وتغييرها فعلينا أولا أن نغير من الأفكار الداخلية والشعورية التي تأتي بها. فإذا كانت العادة هي الخوف من المواقف الاجتماعية مثلا فعلي المعالج أن يتعرف علي الأفكار الداخلية التي تأتي باستجابة هذا الخوف الاجتماعي ومساعدة المريض علي تغييرها بطريقة علمية وعملية تثبت للمريض أن تلك الأفكار لم تكن مبنية علي تصورات حقيقية، إنما تقوم علي أوهام وتخيلات لا أساس لها من الصحة، لكن المريض كان قد اقتنع بها فغدت متحكمة فيه وفي سلوكه. فقد يتصور المريض أنه سيبدو سخيفا ومصدر سخرية للآخرين إذا تحدث أو عرف نفسه للغرباء، فغدت متحكمة فيه وفي سلوكه. فقد يتصور المريض أنه سيدة سخيفا ومصدر سخرية للآخرين إذا تحدث أو عرف نفسه للغرباء، أو إذا القي خطابا أمام جمع من معارفه، فإذا تغيرت هذه الأفكار الداخلية فان السلوك سيتغير تبعا لذلك.إذن فعلم النفس المعرفي يؤكد علي أن ما يفكر فيه الإنسان ويشعر به وينفعل له ويدركه علي المستوي الشعوري ، هو الذي يشكل تصوراته للحياة ويصوغ عقائده وقيمه ، ويوجه تصرفاته الخارجية السوية منها والشاذة .

ما بين التفكير والتفكر

للتفكير الداخلي من مشاعر وإدراكات حسية وتخيل وأفكار، أثر كبير في تكوين سلوك الفرد وميوله وعقائده ونشاطه الشعوري. واللاشعوري وعاداته الحسنة والسيئة، وقد اتضحت لنا بعض جوانب الحكمة من اهتمام القرآن الكريم والسنة المطهرة بموضوع التدبر والتفكر في خلق السماوات والأرض بالطريقة التي تملأ العقل والقلب بجلال الخالق سبحانه وكريم صفاته.

فمن يريد أن تكون أفعاله خيرة فعليه أن يراقب أفكاره وخواطره وأن يديم ذكر الله. والتأمل والتفكر في خلق السماوات والأرض، فإذا ظهرت الخواطر والأفكار فستتبعها الأقوال والأعمال، كما يسهل علي المرء أن يغير الخواطر والأفكار الضارة قبل أن تصبح شهوة ودافعا كما أن تغيير الدافع أسهل من إيقاف الأمر إذا صار قولا في واقع الحياة، وإيقاف الفعل أسهل من اقتلاعه بعد أن يصبح عادة، وعلاج العادة يتم بتعويد المرء علي ضدها، ذكر ذلك العلاقة ابن القيم في كتاب الفوائد حيث قال:

دافع الخطرة، فان لم تفعل صارت فكرة ودافع الفكرة، فإن لم تفعل صارت شهوة، تحاربها، فان لم تفعل صارت عزيمة وهمة، فان لم تدافعها صارت فعلا، فإن لم تتداركه نبض وصارت عادة يصعب عليك الانتقال عنها .

إن مبدأ كل عمل اختياري هو الخواطر والأفكار، فإنها توجب التصورات التي تدعو إلي الإرادات، والإرادات تقتضي وقوع الفعل، وكثرة تكراره يعطي العادة، فصلاح هذه المراتب بصلاح الخواطر والأفكار، وفسادها بفسادها... وصلاحها بأن تكون مراقبة لوليها، صاعدة إليه دائرة علي مرضاته ومحابه ، فإنه سبحانه به كل صلاح، ومن عنده كل هدي، ومن توفيقه كل رشد، ومن توليه لعبده كل حفظ، ومن تولي العبد وإعراضه عنه كل ضلال وشقاء.

واعلم أن الخطرات والوساوس تؤدي معلقاتها إلي الفكر، فيأخذها الفكر فيؤديها إلي التذكر ، فيأخذها التذكر فيؤديها إلي الإرادة فتأخذها الإرادة فتؤديها إلي الجوارح والعمل ، فتستحكم فتصير عادة ، فردها من مبادئها أسهل من قطعها بعد قوتها وتمامها .
ومعلوم أن الإنسان لم يعط أمانة للخواطر، ولا القوة علي قطعها، فإنها تهجم عليه هجوم النفس، إلا أن قوة الإيمان والعقل تعينه علي قبول أحسنها ورضاه بها ومساكتيه لها، وعلي دفع أقبحها وكراهته لها ونفرته منها.

وقد خلق الله سبحانه وتعالي النفس شبيهة بالرحى الدائرة التي لا تسكن ولابد لها من شيء تطحنه فان وضع فيها حب طحنته، وان وضع فيها تراب أو حصى طحنته.فالأفكار والخواطر التي تجول في النفس هي بمنزلة الحب الذي يوضع في الرحى، ولا تبقي تلك الرحى معطلة قط ، بل لابد لها من شيء يوضع فيها ، فمن الناس من تطحن رحاه حبا يخرج دقيقا ينفع به نفسه وغيره ، وأكثرهم يطحن رملا وحصى وتنبأ ونحو ذلك ! فإذا جاء وقت العجن والخبز تبين له حقيقة طحينة !!انتهي كلام ابن القيم.

أما الإمام الغزالي فيذكرني إحيائه أن علي المسلم الذي يريد أن تكون أخلاقه جميلة أن يغير أولا أفكاره عن نفسه ، ثم يتكلف القيام بهذه الأخلاق الجميلة بالتدريج حتى تصبح له عادة ، كما يؤكد علي أن التفاعل بين الناحية المعرفية النفسية وبين السلوك العلمي أمر حتمي ، فما أن يقوم الفرد بسلوك أخلاقي في نعيش – ولو كان ذلك تكلفا – حتى يظهر أثره في تفكيره ومشاعره ، وما أن تتغير أفكاره وأحاسيسه حتى يتغير سلوكه الخارجي ويظهر ذلك علي جوارحه ...قد عرفت بهذا قطعا أن هذه الأخلاق الجميلة يمكن اكتسابها بالرياضة وهي تكلف الأفعال الصادرة عنها ابتداء لتصير طبعا انتهاء ، وهذا من عجيب العلاقة بين القلب والجوارح – أعني النفس والبدن فان كل صفة تظهر في القلب يفيض أثرها علي الجوارح حتى لا تتحرك إلا علي وفقها لا محالة ، وكل فعل يجري علي الجوارح فانه قد يرتفع منه أثر إلي القلب والأمر فيه دور

أما عن العلاج بالضد فيقول. وكما أن العلة المغيرة لاعتدال البدن الموجبة للمرض لا تعالج إلا بضدها، فان كانت من حرارة فالبرودة، وان كانت من برودة فبالحرارة، فكذلك الرزيلة التي هي مرض القلب علاجها بضدها فيعالج مرض الجهل بالتعلم، ومرض البخل بالتسخي، ومرض الكبر بالتواضع، ومرض الشره بالكف عن المشتهي، تكلفا.

ومن لطائف الرياضة إذا كان المريد لا يسخو بترك الرعونة رأسا، أو يترك صفة أخري ولم يسمح بضدها دفعة، فينبغي أن ينفد ( الشيخ المعلم ) من الخلق المذموم إلي خلق مذموم آخر أخف منه، كالذي يفسد الدم بالبول، ثم يغسل البول بالماء إذا كان الماء لا يزيل الدم.

ويضرب الغزالي لذلك مثلا برجل كان يشكو من شدة الغضب، فكان يعود نفسه الحلم بالتدرج بتغيير أفكاره وانفعالاته وبالتدريب العملي في واقع حياته حتى وصل به الأمر كما يقول الغزالي- إلي أن...يستأجر من يشتمه علي ملأ من الناس ويكلف نفسه الصبر ويكظم غيظه حتى صار الحلم عادة له بحيث كان يضرب به المثل

يتضح من ذلك أن التفكر وما يصاحبه من ذكر هو العمود الفقري لتغيير تصور المسلم عن نفسه واستعداده بعد ذلك لتغيير سلوكه وعاداته، فبدون هذا التغيير لا يمكن تعديل السلوك والعادات إذن فالتفكر هو مفتاح كل خير لأنه يصبغ جميع النشاطات المعرفية للمؤمن بذكر الله تعالي والتعرف علي آلائه ونعمه، فكما يقول الغزالي: الطريق إلي الله سبحانه هو التعظيم له في مخلوقاته والتفكر في عجائب الله ومصنوعاته، وفمهم الحكمة في أنواع مبتدعاته، ومن الواضح أن مثل هذا التفكر يشمل الجانب الفكري والعاطفي والانفعالي والإدراكي للمؤمن، أي أنه يشمل جميع أنشتطه النفسية والمعرفية والروحية ومن الصعب أن يتصور الإنسان ذاكرا لله تعالي قليل التفكر في مخلوقاته، أو أن يتصور متفكرا في خلق الله لا يعد من الذاكرين.

وبما أن بداية كل عمل إنما هو نشاط فكري معرفي شعوري، فان من يطيل الفكرة يسهل عليه القيام بالطاعات والعبادات. وفي ذلك يقول الغزالي في إحيائه: إذا حصل العلم في القلب تغير حال القلب، وإذا تغير حال القلب تغيرت أعمال الجوارح، فالفعل تابع الحال، والحال تابع العلم، والعلم تابع الفكر فالفكر إذن مفتاح ومبدأ الخيرات كلها وهو الذي يكشف لك فضيلة التفكر وانه خير من الذكر والتذكر لأن الفكرة ذكر وزيادة. وكما أن النشاط الفكري الداخلي هو مفتاح كل خير وعمل صالح فهو كذلك أصل كل معصية باطنة أو ظاهرة بالجوارح. لذلك فان القلب المتدبر المتفكر في آلاء الله والموصول بالآخرة يكتشف الخواطر الشريرة التي تمر علي ذهنه بسهولة ويسر بفضل حساسيته المفرطة التي اكتسبها من إدامة التفكر والذكر. فما أن تطل خاطرة شريرة في ذهنه إلا وتكتشفها أفكاره وأحاسيسه المرهفة وتصوراته الخيرة فتحيط بها وتفسد مفعولها تماما كما يكتشف الجسم الصحيح الجراثيم الوافدة عليه فيحاصرها ويدمرها فالعالم الفكري والروحي والانفعالي لمن يصلون ليلهم بنهارهم في التفكر في آلاء الله وفي الدنيا و الآخرة هو عالم محفوظ إذا حاولت الخواطر الشريرة أن تسترق لها مكانا فيه جاءتها شهب الخير ورجومه فأحرقتها وأبطلت مفعولها، كالشهب التي تحرص السماء من استراق الشياطين للسمع، ( إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون ) سورة الأعراف –آية 21 إذن فالتفكر يستفيد من كل من كل الأساليب المعرفية التي يستخدمها الإنسان في عمليات التفكير التي فصلناها من قبل، لكنه يختلف عن التفكير في عمقه وفي أنه يعبر بتصوراته ومفاهيمه من الدنيا إلي الآخرة ومن المخلوقات الي خلقها جل وعلا، وهذا العبور هو ما يعبر عنه باصطلاح العبرة والاعتبار ولذلك قد يكون التفكر محصورا في حل المشكلات الدنيوية وربما يكون بعيدا عن العاطفة والانفعال، لكن التفكر بعبوره برزخ الدنيا و ضيقها إلي سعة الآخرة وخروجه من قمقم المادة إلي انطلاق الروح اللانهائي ، يحرك بجميع نشاطات المؤمن المعرفية الداخلية والخارجية ، فهو يستفيد من الخبرات السابقة ويربطها بإدراكه الحسي للمخلوقات التي يتفكر فيها وبرموزها وتعبيراتها التي اكتسبها من استخدامه للغة، ويضفي عليها من تصوراته وخيالاته لما كانت عليه في الماضي وما يمكن أن تصير إليه في مستقبل حياتها . ويؤجج كل ذلك بعاطفة جياشة وخشية صادقة لله عز وجل. لذلك أكد الغزالي علي أن التفكر هو إحضار معرفتين في القلب ليستثير منها معرفة ثالثة ومثاله في ذلك أن من مال إلي العاجلة وآثر الحياة الدنيا وأراد أن يعرف أن الآخرة أولي بالإيثار من العاجلة فعليه أن يعرف أولا أن ألأبقي أولي بالإتيان، ثم يعرف

ثانيا: أن الآخرة أبقي، فيحصل له من هاتين المعرفتين معرفة ثالثة وهو أن الآخرة أولي بالإيثار وإلا بالمعرفتين السابقتين.

وفي رأينا الشخصي أن التفكر يمر بثلاث مراحل متداخلة، تنتهي بالمرحلة الرابعة والأخيرة التي اخترت لها الاصطلاح ( الشهود) فهو يبدأ أولا بالمعارف التي تأتي عن طريق الإدراك الحسي المباشر بالنظر والسمع واللمس، وغيرها من الحواس، أو بطريق غير مباشر كما يحدث في ظاهرة التخيل، أو قد تطول هذه المعارف عقلية مجردة، وكثيرا ما تكون هذه المعارف لا ارتباط لها بالنواحي العاطفية والمعرفية.

فإذا دقق الإنسان فيها النظر وتعرف علي بعض خصائصها الجمالية ودقة صنعها أو قوتها وشخاصتها ، فانه ينتقل من المعرفة الباردة إلي انبهار بجمال التنسيق وعظمة الصنع وبها والمنظر ، وهذه هي المرحلة الثانية وهي مرحلة تذوق وأحاسيس مرهفة ومشاعر متدفقة فإذا انتقل بعد ذلك بهذا الإحساس إلي الخالق المبدع فسيزيد ه هذا خشوعا ومعرفة بالله وصفاته العلية ، وبهذا تكتمل حلقات التفكر الثلاث فالنظر في المخلوقات لا يعدو أن يكون مرحلة بدائية يشترك فيها المؤمن والكافر ، ولذلك فان المرحلة الثانية أي مرحلة التذوق لدقة الصنع وجمال التنسيق قد تهتز لها القلوب بغض النظر عن إيمانها أو كفرها ، لكن المعرفة الثالثة التي تأتي بربط هذا التذوق لجمال الكون ودقة صنعته بمبدعه جل وعلا هي النعمة الكبرى التي لاتكون إلا لمؤمن . وإذا نظر إلي الموضوع من ناحية التعلم وتكون العادات فنقول بأن المؤمن وإذا داوم علي هذه الحالة وصل إلي المرحلة الرابعة التي يصبح التفكر فيها عادة متأصلة فيه ، بعد أن كان هذا التأمل أمرا لا تأتي به إلا الخبرات المؤثرة والحوادث النادرة في بيئته . وسوف يزداد بالتدريج الوقت الذي يقضيه في اليوم والليلة في نشاطه التأملي . وتمسي الأشياء العادية المألوفة – التي كان يمر عليها غافلا –مصدر إثراء للفكر العميق والتأمل في آلاء الله تعالي وفضله ، حتى يصبح كل شيء في بيئته مثيرا للفكر ومحركا للتأمل، عندها يكون قد وصل بالفعل إلي مرحلة البصيرة والشهوة فيري سائر التقلبات الكونية وتصاريف الوجود بيد ه سبحانه وحده ، فيشهده مالك الضر والنفع ، والخلق والرزق ، والإحياء والإماتة ...وعند ذلك إذا وقع نظره علي شيء من المخلوقات دله علي خالقه وبارئه وصفات كماله ونعوت جلاله .

أما ابن تيمية فيسمي هذه المرحلة بالشهود الصحيح الذي يشهد فيها المؤمن التفكر كل المخلوقات قائمة بأمر الله مدبرة بمشيئته بل مستجيبة له قانتة له ، ويكون ما يشهدونه من ذلك مؤيدا وممدا لما في قلوبهم من إخلاص الدين .. واضعين نصب أعينهم تمييز القديم عن الحادث ومباينة الخالق سبحانه لمخلوقاته وتوحده دونهم . وفي الحقيقة أن المؤمن الذي يصل إلي المرحلة الثانية الحلو وضخامته ودقة صنعه لا بد له من الانتقال بأحاسيسه المرهفة هذه إلي الصانع المدبر سبحانه . ولابد من الشعور بحقارة نفسه وضعف قدراته حيال الآيات الكريمة التي يراها في السماء والأرض فهذا الكون بكل اتساعه ما هو في الحقيقة إلا معبد ومسجد لا يدخله إلا المؤمن عندما تصفو روحه ويخشع قلبه ويلقي السمع وهو شهيد . إن أهمية هذا الانبهار بدقة الصنع وجماله وضخامته ، إحساس الإنسان بالتضاؤل الجسمي والنفسي حيال ما يشاهده ، هو أمر فطري ركب الخالق جل وعلا في كيان الإنسان لينظر به في السماء والأرض فيهتدي لابد إليه فتخشع جوارحه ويعبده تعالي رغبة ورهبة . فإذا لم يهتدي الإنسان إلي الله تعالي انحرف عن صراطه المستقيم ليسلك وعورة الشرك والوثنية فلا بد له أن يستخدم نفس هذه الطبيعة الفطرية وان أساء استعمالها هذا هو الأمر الذي حمل الديانات الوثنية في تاريخ الإنسان القديم و الحديث علي المبالغة في حجم معابدها وجمالها ودقة تصميمها وتزينها بأجمل التحف واللوحات المعبرة والألحان الشجية ، هذه المعابد التي بنتها الديانات الوثنية هي أضخم ماشيده الإنسان في تاريخه الطويل وأكثر ما صرفه عليها من الجهد والمال ، حتي إذا ما دخلها المتعبد الوثني أسر بالرهبية والانبهار وتقبل بعد ذلك ما يمليه عليه الكهنة من خرافات وأفكار وثنية .

ويبدو انه كلما ضعف الارتباط الحقيقي بين الشعوب الإسلامية وخالقها جل وعلا زاد اهتمامهم بتعظيم مباني المساجد وتجميلها علي حساب تزكية النفوس وصقلها ، وفي ذلك يقول الغزالي أيضا ...لكن الناس – لما أعياهم بناء النفوس علي الخلائق الجليلة – استعاضوا عن ذلك ببناء المساجد السامية ، تضم مصلين أقزاما ؟! أما الأسلاف الكبار فقد انصرفوا عن زخرفة المساجد وتشييدها إلي تزكية أنفسهم وتقويمها . والنظر إلي مسجد سيدنا محمد( صلي الله عليه وسلم )

الخلاصة: يمر المؤمن بمراحل ثلاثة من المشاهدة إلي الشهود ... إدراك حسي ثم تذوق وانبهار ثم تفكر خاشع .. لكنني لا أريد أن أحصر التفكر علي الأشياء الجميلة أو دقيقة الصنع في هذا الكون الذي يجمع بين الجميل والقبيح ، والعظيم والحقير ، والخير والشر ير فقد تكون المشاهدة لخبرات مؤلمة أو مخيفة وقد يكون التذوق انفعاليا سلبيا ويكون التفكر بالعبرة من هذه المشاهد السلبية التي تذكر المتفكر اجتنابها أو الخوف منها أو كراهتها والتقزز منها – فكم من متجبر شرير يأخذه الله تعالي أخذ عزيز مقتدر فيتفكر المؤمنون فيما حدث له ويعتبرون بمصيره ، كما حدث لقارون الذي خسف الله به وبداره الأرض وأصبح الذين تمنوا مكانه يقولون ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده بقدر ، لولا أن من الله علينا لخسف بنا ويكأنه لا يفلح الكافرون ( القصص:82).

مابين التأمل والتفكر الارتقائي

لقد انتشرت ممارسة التأمل الارتقائي في أوروبا وأمريكا بشكل واسع لم يسبق له مثيل في تاريخ هذه الأمم . وذلك بعد أن أثبت هذا التأمل - بجذوره الهندية والشرقية القديمة – مقدرته الفائقة في علاج الأمراض المرتبطة بالمشاكل الانفعالية والمعرفية وشفاء غيرها من الإضرابات والإدمان والقلق وجميع أنواع العصاب .

ومن هذا المنطلق نسأل أنفسنا عن قيمة التفكر والتأمل من حيث هو عبادة بالنسبة للصحة الجسمية والنفسية للمؤمن وستجد الجواب في المئات من الكتب والأبحاث التي أجريت في الآونة الأخيرة لتؤكد قيمة التأمل الارتقائي والعامل الروحي والإيماني.في علاج التوتر والقلق وضغط الدم والصداع النصفي والأرق وتخفيض نسبة الكولسترول في الدم وغيرها من الإضطرابات النفسية السيكوسوماتية :

ان الدراسات الحديثة في ميدان الطب السيكوسوماتي النفسجسمي يؤكد بأن التفكير والنشاط المعرفي للإنسان له دور فعال بالنسبة لإصابة الإنسان بشتى الأمراض ، كما أن تغيير هذا التفكير وهذا النشاط المعرفي الذي يتسبب في إحداث هذه الأمراض والإضرابات يساعد كثيرا في شفاء الفرد أو تحسين حالته الصحية بقدر كبير ، وهذا مصداق الأثر المشهور . لا تتمارضوا فتمرضون فتموتون . إن تأثير العوامل النفسية علي الناحية الجسمية العضوية أمر بديهي يلا حظه الفرد في حياته اليومية .

وقد اهتم العلماء في الآونة الأخيرة بهذا الموضوع ، خصوصا بعد أن ثبت بأن النشاط المعرفي والانفعالي للإنسان له أثر مباشر علي مقاومته الطبيعية للأـمراض الجسمية .

لقد أتضح من مئات التجارب والأبحاث أن الضغوط النفسية المزمنة المصاحبة للحزن والإكتئاب والقلق والإحساس بالوحدة القاتلة ومقدار الثقة بالنفس ، وتؤثر تأثيرا بالغا علي مقاومة الإنسان للأمراض الجرثومية وحتى السرطان فهذا الضغط النفسي المزمن يجعل الغدد القظرية adrenal glands تزيد من إفرازها للهرمونات المحتوية علي مادة الكورتيزون التي تكف من نشاط المقاومة الطبيعية . وقد كان من تأثير هذه الأبحاث أن ظهر تخصص جديد هو علم المقاومة النفسية والعصبية psychoneuro- Immunology الذي يجمع بين الأخصائيين في ميدانين مختلفين لم يكن بينهم مثل هذا التعاون في الماضي ألا وهما ميدان العلوم الاجتماعية وعلم النفس وميدان دراسة كيمياء جهاز المقاومة في الإنسان ، كما ظهر في مئات المؤلفات التي تدعو لتحسين صحة الإنسان الجسمية بتغيير أفكاره ومشاعره وانفعالاته ، حتى وصف بعض العلماء هذه الظاهرة بالثورة الثالثة في الطب الغربي الحديث التي كانت أولاها تطور الجراحة وثانيها اكتشاف البنسلين والمضادات الحيوية ذلك أن الذي يشكل فكر الإنسان ونشاطه المعرفي ليس هو الأحداث والمثيرات التي يتعرض لها في بيئته بشكل مباشر بل الذي يؤثر بالفعل في تقييمه وتصوراته لهذه الأحداث والمثيرات

إن الإرشادات التي يطلب الطبيب أو المعالج من المريض تنفيذها تبدو بسيطة وساذجة ولكن نتائجها سريعة المفعول فعلي سبيل المثال يطلب بينسون – وهو أشهر الباحثين في هذا الميدان – من المريض أن يجلس جلسة مريحة في مكان هادئ باسترخاء جسمي شامل ويغمض عينيه ويتنفس بعمق وهدوء ، مركزا ذهنه في عملية التنفس هذه كما يطلب منه أن يختار كلمة أو جملة قصيرة من مفاهيمه الإيمانية أو الدينية ويرددها متفكرا في معانيها بشكل رتيب كلما أخرج الهواء من رئتيه وإذا فضل المريض أن يختار معني أو شكلا يتصوره بدلا من كلمة يرددها فعليه أن يتمثل هذا التصور بالذات الأسلوب المتكرر الرتيب .

لقد وجد أن ترديد هذه العبارات ذات المعني والقيمة العقيدية أو الدينية لدي الشخص المتأمل أو تفكره في صورة ذهنية لإحدى مفاهيمه الإيمانية له أثر كبير في تعميق تفكره وسرعة علاجه . وفي التأمل الارتقائي ان تركيز الذهن مع الترديد المستمر لمعني إيماني أو لصورة ذهنية لها قيمتها الكبيرة لدي الشخص المتفكر وسيؤدي به حتما إلي تصور أعمق ومفاهيم جديدة عن الشيء موضع التفكر والتأمل ، ويرتقي به إلي أفق أرفع من المعاني والتصورات التي لم يكن ليدركها بسبب الحياة العادية والألفة القاتلة والإدراك الحسي الروتيني المحدود ومن ثم كانت تسمية التأمل الارتقائي

ومن الإرشادات الهامة التي يجب علي المتأمل إتباعها في إهماله للأفكار والخواطر التي لا تفتأ تحشر نفسها ، في ذهنه لتمنعه من التركيز فيما يتأمل فيه ، ويجب عليه أن يعود لتركيز ذهنه مرة أخري فيما اختاره لموضوع تفكره وتأمله ، وأن يتخذ في جلسته التأهيلية أسلوبا سبيا استرخائنا حتى يدري نفسه مع الأيام علي هذا التمرين فيزداد تفكره وتأمله عمقا وجسمه استرخاء وتخف وطأة الخواطر المرضية والأفكار الجانبية ، ويختفي معها التوتر والقلق والأعراض الجسمية التي كانت يشكو منها ، ويمكن التأكد من هذا التحسن بالقياسات الفسيولوجية الدقيقة كانخفاض ضغط الدم ونسبة الكولسترول مما يدعو الأطباء لتخفيض جرع الدواء أو إيقافه بالمرة لمرضي من بينهم كانوا يتناولون هذا العلاج الكيميائي قبل ممارسة التأهل الارتقائي لسنوات طويلة .

ومن التغيرات النفسية الهامة التي يذكرها المتأملون من المرضي والأشخاص العاديين ، ذلك الإحساس بالسكتة والوصول إلي مستوي راق من المعرفة الذاتية ، والي إحساس غامر بصلة الفرد الحميمة بكل الموجودات في هذا الكون . وبعاطفة مباشرة للناس وبتفاؤل عظيم وقدرة متنامية علي الإنتاج والتفكير الخلاق .

ويؤكد Le shar بأن هذا الإحساس الغامض لما وراء العالم المادي الملموس ليس أمرا متوهما ولا إيحاء ذاتيا بل هو حقيقة يثبتها التشابه المذهل بين الخبرات الروحية التي يسجلها العباد في شني أنحاء العالم .

فهم كما يقول – يصلون إلي مراتب من المعرفة لا تستطيع أن تنقلها الكلمات التي يستخدمونها في لغاتهم ، لكن التشابه الكبير بين خبراتهم رغم ذلك يدعو المرأ إلي قبول مصداقيتهم . كما انه يلاحظ التناقض بين هذه المعرفة الارتقائية وبين ما اعتاده الفرد في حياته المادية العادية من مفاهيم .

 والخلاصة مما سبق تبين لنا أثر الفكر والانفعال والعاطفة علي الصحة الجسمية ، وكيف يمكن للإنسان أن يصيب نفسه بشتى الأمراض السيكوفسيولوجية أو يضعف مناعته حتى يصبح فريسة للأمراض الجرثومية اذا اعتل فيه الجانب المعرفي وتمارض حتي يمرض بالفعل كما وضحنا أثر العوامل المعرفية من مشاعر وانفعالات وتنكير في علاج هذه الحالات المرضية وركزنا علي التأمل الارتقائي بصفته أهم الأساليب النفسية التي أثبتت فائدتها في هذا الميدان العلاجي ولصلته الواضحة بموضوع التفكر .

إن المؤمن المتأمل لهذا النوع من العلاج ألتأملي لا يجد كبير عناء في ملاحظة التشابه الظاهري الكبير بينه وبين التفكر في خلق السموات والأرض وما يصاحبه من تسبيح وذكر الله تعالي فهما يشتركان في تركيز الذهن في موضوع التأمل وفي التخلص أو التخفيف من المشوشات الخارجية والداخلية ، أي ما يصرف الذهن عن التفكر من صخب في الخارج وخواطر وأفكار عارضة من داخل النفس . ويتفقان أيضا في إعادة النظر وترديد المعاني التأملية بإيقاع متكرر حتى يظهر للمتفكر المسبح وللمتأمل في كل مرة معني وإدراك وتصور لم يخطر علي البال . فكلاهما يستخدم التفكر العميق ليحرر الإدراك الحسي الجامد من سجية الروتين اليومي للحياة المادية وقمقم الألفة وزنزانة الاعتياد حتى ينطلق إلي آفاق أرحب ومعرفة أوسع .

إن المسلم الدارس لإرشادات العلاج في التأمل الارتقائي والاسترخاء مع الاستفادة بالعامل الإيماني لا تخطر بباله وهو يدرسها الا تلك الصورة الحية لمؤمن يجلس القرفصاء بعد أداء الصلاة وهو مستغرق في آلاء الله والتفكير في عظمته ودقة صنعه ، مردد اعتبارات التسبيح والتحميد والتكبير .... ومن الطريف أن نذكر ونحن نتحدث عن هذا التشابه الظاهري أن يختار بنفسه الكلمات والعبادات الإسلامية التي تصلح للتزويد بالنسبة للمؤمن الذي يمارس التأمل الارتقائي والاسترخاء .

ولعل متأمل في التأمل الارتقائي وأصوله في الديانات الشرقية القديمة والتشابه الظاهري بينه وبين التفكر والتسبيح ، أن يدرك الغاية الحقيقية ، ألا وهي توجيه هذا التأمل لعبادة الله وتسبيحه والتفكر في مخلوقاته .

ويبدو أن تركيز الذهن والتأمل الجاد في موضوع روحي أو قيمي معين مع ترديد ألفاظه ومعانيه والاستغراق في حالة استر خائية هادئة ، يخلص الإنسان فيها نفسه من الخواطر والمشاغل اليومية ، ويحاول الخلود إلي إيقاعات ما وراء المادة واستشفاف ما وراء الحس – له فائدة عظيمة بالنسبة لحالته النفسية والجسمية . بل أن الإنسان ليستفيد هذه الفائدة بتركيز ذهنه علي المثيرات الطبيعية في بيئته كشقشقة العصافير وأصوات العصافير والأشجار الباسقة تداعبها الرياح الهادئة أو حتى التركيز في إيقاعاته الجسمية الداخلية الرتيبة كتنفسه وضربات قلبه Mindfulnees meditation

هذه الفوائد التي يجدها غير المسلم الذي يمارس التأمل الارتقائي أو أي نوع من أنواع التأمل الارتقائي.هي كالتي يجدها إذا واظب علي السواك والاغتسال ونظافة الجسم وتقليم الأظافر والرياضة البد نية الخفيفة ، إن مجرد استماع المسلم لآيات من القرآن الكريم

– سواء كان من المتحدثين باللغة العربية ْأو بغيرها – يأتي بجميع التغيرات الفسيولوجية الدالة علي خفض التوتر والقلق ونزول السكينة  وزيادة المناعة ضد الأمراض وأثبت التجارب التي استخدم فيها أحدث الأجهزة في المراقبة الالكترونية لضغط الدم وسرعة ضربات القلب وقوة وشدة العضلات ومقاومة الجلد للتيار الكهربائي ، إن لتلاوة القرآن أثرا مهدئا واضحا في 97% من الحالات.

إذن فالفوائد الحقيقية للتأمل تأتي بربطه بعبادة الله وحسن الصلة به تعالي وكل ما ذكرناه من تشابه ظاهري بين التفكر كعيادة إسلامية ، والتأمل الارتقائي كعلاج نفسي وجسمي ما هو إلا في الصورة الخارجية وفي القشور أما اللب الحقيقي فهو في العبور من التأمل في المخلوقات إلي خالقها . فالمؤمن المتفكر ، وان لم يفقه تسبيح الكون ، لكنه يحس إحساسا لا يتطرق إليه الشك ويشعر بتلاحم وتناغم تسبيحه مع تسبيح كل المخلوقات ، فكل ذرة من ذرات هذا الإحساس يزداد عمقا مع مداومة الفكر حتى يصل إلي قمم روحية سامية والي شعور بالسرور واللذة الروحية التي لا يشبهها من نعيم الدنيا شيء.

فيتحدث ابن القيم عن هذا النعيم الذي تنقشع فيه هموم الدنيا وأمراضها

وأعراضها كما ينقشع نور الظلام إن المؤمن المتفكر الذاكر يفتح له باب الأنس بالخلوة والوحدة في الأماكن الخالية التي تهدأ فيها الأصوات والحركات .. فإنها تجمع عليه قوة قلبه وإرادته وتسد عليه الأبواب التي تفرق همه وتشتت قلبه ، ثم يفتح الباب حلاوة العبادة بحيث لا يكاد يشبع منها ، ويجد فيها من اللذة والراحة أضعاف ما كان يجده في لذة اللهو واللعب ونيل الشهوات....فإذا استولي عليه هذا الشاهد غطي عليه كثيرا من هموم الدنيا وما فيها ، فهو في وجود والناس في وجود آخر. نشتاق ما بين الذين يعيشون الشقاء في ظلمات مادية بعضها فوق بعض ، تفتح عليهم التأمل والاستشراق لما وراء الحس بصيصا من نور خافت مبهم كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قامو ا . وبين الذين جعل الله لهم نورا يمشون به في الناس .

 

بعض الأساليب القرآنية في الحضّ على التفكر

اذا كان التفكر في مخلوقات الله من أعظم العبادات التي دعا إليها الإسلام ، فلا عجب أن نري القرآن الكريم يحمل بين دفتيه الكريمتين الكثير من الآيات التي تحس علي التدبر في خلق السماوات والأرض بشتى الأساليب التي تناسب كل مزاج وحالة روحية ، حتى لا تترك وسيلة تصل بها إلي كل من في قلبه بقية من حياة إلا سلكتها . ذلك لتخرج الناس من بلادة الحس وهموم العادة ، ورتابة المألوف ، ليرو آيات ربهم في السماوات والأرض ببصيرة حية وقلب شفاف .

إن هذا الوجود جميل ، إن جماله لا ينفد ، وان الإنسان ليرتقي في إدراك هذا الجمال والاستمتاع به إلي غير ما حدود ، قدر ما يريد ، وفق ما يريده له مبدع الوجود ، وان عنصر الجمال لمقصود قصدا في هذا الوجود فإتقان الصنعة يجعل إتقان الوظيفة في كل شيء يصل إلي حد الجمال وكمال التكوين يتجلى في صورة جميلة في كل عضو وفي كل خلق ...انظر هذه النخلة . هذه الزهرة هذه النجمة . هذه الظلال .. هذا الصبح .. هذا الليل .. هذه الموسيقي السارية في الوجود كله . هذا التناسق الذي لاعوج فيه ولا فطور إنها رحلة ممتعة في هذا الوجود الجميل الصنع البديع التكوين يلفتنا القرآن الكريم إليها لنتملاها ونستمتع بها وهو يقول الذي أحسن كل شيء خلقه .

ان القرآن العظيم يستخدم كل وسيلة ليوقظ القلوب من همود الحس ورقابة المألوف . لتري آيات ربها في السموات والأرض بقلوب حية وبصيرة ومستنيرة كذلك نجد في موضوع الإنسان أن آيات الكتاب تتبع نفس الأساليب التي تناسب كل قلب وتوائم كل حالة نفسية . وكما أقسم الرحمن عز وجل ببعض آياته الكونية ومخلوقاته في الأرض كالضحى والليل والشمس والتين والزيتون فاعتبرنا ذلك أعظم دعاية للتفكر فيها، كذلك أقسم الحق تبارك وتعالي بالنفس الإنسانية ...فما حقيقة النفس الإنسانية ؟ وما الروح ؟ وما العقل ؟ ؟! أهي كلها مخلوقات لا يستطيع العقل البشري إدراكها والإحاطة بها ، فهي وان كانت من مكونات الإنسان التي صار بها إنسانا ، إلا إنها ليست مادية ولا يمكن حصرها بين فكي الزمان والمكان اللذين لا قدرة للعقل البشري علي الإدراك خارج نطاقها . فهذا في حد ذاته أكبر تحد يدعو الإنسان للتواضع والإذعان : أن يعجز عن إدراك بعض مكونات نفسه والإحاطة بها . وحتى العوامل السيكولوجية ( السلوكية ) الأثر ببساطة والتي يمكن ملاحظة آثارها في المختبر كالتعلم والتذكر والانفعال والدوافع مازال علم النفس وهو يدرسها يخطو علي شواطئ بحرها اللانهائي خطفا يلهو علي ساحل محيط ... وفي أنفسكم أفلا تبصرون – هذا الإنسان العجيبة الكبرى يغفل عن قيمته وأسراره الكامنة في كيانه حين يغفل .قلبه عن الإيمان وحين يحرم نعمة اليقين . وحيثما وقف الإنسان يتأمل نفسه التي بأسرار تدهش وتحير

تكوين أعضائه وتوزيعها ، وظائفها وطريقة أدائها لهذه الوظائف . وأسرار روحه طاقتها المعلومة والمجهولة .. إدراكه للمدركات وطريقة إدراكها وحفظها وتذكرها. هذه الصور المختزنة أين ؟ وكيف؟ هذه الصور والرؤى والمشاهد كيف انطبعت ؟ وأين ؟ وكيف ؟ تستدعي فتجئ وذلك في الجانب المعلوم من هذه القوي فأما المجهول منها فهو أكبر وأكثر.

التفكر عبادة حرة طليقة

التفكر في خلق السموات والأرض وما يقع عليها من أحداث ، أمر لا يحده عائق من اختلاف الزمان أو المكان ولا ماهية الأشياء . هذه عبادة حرة طليقة حرية الإدراك وانطلاق لخيال المؤمن سياحة فكرية وجدانية تحيي القلوب وتنير البصائر عندما يعبر الذهن من آيات الله في الكون إلي خالفها ومديرها ، وهذا هو المعني الحقيقي للاعتبار .
إن القلب الموصول بالله والتصور الصحيح للكون والإنسان ، يعني أن الكرة الأرضية ومن فيها وما فيها أن هي إلا ذرة تافهة في ملك الله الواسع . وأن الله خلق الإنسان وما عملت يداه والله خلقكم وما تعملون .

الفروق الفردية في درجات التفكر ..

هناك ثمانية أبعاد ومتغيرات متداخلة تتضافر في تكوين هذه الفروق كما يلي :
1 - عمق الإيمان كلما زاد إيمان الشخص المسلم كلما سهل عليه الاستغراق في ملكوت ربه استجاشة أنبل مشاعر الخشية والحب وازداد تبعا لذلك عمق تفكره وتدبره في خلق السموات والأرض.

2 - القدرة علي التركيز الذهني إن درجة إيمان المتفكر ومعرفته بالله هي العامل الأول والأساسي الذي يحدد عمق تفكره أما العامل الثاني فيتعلق ببعض خصائص المؤمن وسمات شخصيته وبقدرته الفطرية علي التركيز الذهني دون أن يشعر بالتعب والملل السريع .

3 - الحالة الانفعالية والعقلية يحتاج التفكر إلي الطمأنينة والهدوء النفسي والصحة الجسمية والنفسية . وتؤكد الأْبحاث أن التركيز الذهني وحل المشكلات يضعف مع ازدياد التوتر والقلق ولا شك أن المرض النفسي أشد علي المؤمن المتفكر من المرض الجسمي العضوي , بل أن كثير من العباد يستبشر بما يلاقيه من أمراض جسمية , وريما تصبح هذه الأمراض الجسمية نفسها مجالا للتأمل والتفكر ولا تمنعهم من الذكر والعبادة أما الهم والحزن والإكتئاب وضيق الصدر فأعداء للصفاء الذهني الذي يحتاجه المؤمن الذاكر المتفكر ، بل ربما يكون ذلك سببا في تثبيطه ومنعه من القيام بأي عمل مفيد ،لذلك فقد استعاذ الرسول صلي الله عليه وسلم في دعائه المشهور من الهم والحزن والعجز والكسل ونري أن العجز والكسل ربما يكونان نتيجة طبيعية للهم والحزن .

العوامل البيئية :

هي درجة معرفة المؤمن بالشئ الذي يتفكر فيه والقدوة الصالحة وأثر الصحبة .

ان التفكر الصحيح – كما أْسلفنا – نشاط يشمل جميع المجالات المعرفية والعاطفية للإنسان . لذلك فانه يزداد عمقا وتجليا بالمداومة عليه ويربطه بذكر الله وتسبيحه . حتى يصل المؤمن إلي درجة عالية يري بها قدرة الله وحكمته ورحمته وسائر صفاته في كل ما يري ويسمع من حوله .

- رفاهية الأشياء : إن هناك ظواهر طبيعية تستثير تلقائيا الفكر والمشاعر وتهز الكيان النفسي والروحي للإنسان وتفرض نفسها فرضا علي قلبه وفكره ، فوميض البرق ونصف الرعد وهطول الأمطار وزمجرة الرياح لها في النفس الإنسانية وقع خاص يأتي فيه التفكر دون جهد مرتبطا بانفعالات الخشية والرجاء ( هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا وينشي السحاب الثقال ) صدق الله العظيم .(الرعد آية 12 )

- درجة ألفة المتفكر علي الأشياء : لا يستغرب القارئ أن تكون الألفة الشديدة والتعود عائقا للتفكر في الشيء وتدبره ، فالتكرار الرتيب يفقد أعظم ظواهر هذا الكون روعتها وعظمتها ، وألا فكيف لا تهتز مشاعرنا لرؤية الشروق كل صباح بما فيه من الآيات البينان وكيف لا تمتلئ أنفسنا بالخشوع ونحن نستعرض صباحا ومساء الخلائق التي تعمر أرضنا من نباتات وحيوانات وطيور في جو السماء وأسماك في البحار والأنهار . يقول ابن ا لجوزي سبحان من شغل أكثر الخلق بم هم فيه عما خلقوا له ! سبحانه !

الخلاصة :

إن أهمية أي عامل من هذه العوامل يعتمد علي ظروف الشخص الذي يقوم بعملية التفكر ، ففي بعض الحالات يزداد عمق التفكر بشكل ملحوظ إذا تحسنت حالة المؤمن الانفعالية والنفسية ، وفي حالات أخري يجد المسلم نفسه وقد داوم علي التفكر والذكر إذا انتقل من صخب المدينة ليعيش في قرية نائية وجد فيها من يعاونه ويشد أزره في طريق البر والتقوى ، لكن العمل الأساسي الذي يحدد عمق الفكرة بالنسبة للمؤمن المتدبر في خلق الله هو العامل الإيماني . فعمق الإيمان والصلة بالله هما العمود الفقري ، وما العوامل الأخرى كقدرة المؤمن علي تركيز الذهن ودرجة معرفته بالشئ الذي يتفكر فيه وغيرها من العوامل التي ناقشناها ماهي في الحقيقة إلا جوانب ثانوية تخضع لهذا العامل الإيماني وتستمد قوتها علي التأثير من طاقته . وقد أخطأ من قال من العلماء المحدثين بأننا اليوم أقدر ممن سبقنا من المؤمنين – حتى في عهد الصحابة – علي الوصول إلي درجة أعلي من التفكر في خلق الله لازدياد معرفتنا بخصائص الأشياء بسبب تقدم العلم التقني الحديث ، وذلك لأن التأثير الحقيقي بما يراه ويحسه المسلم في بيئته يعتمد أساسا علي عمق إيمانه وخشيته لله وحبه له جل وعلا ، أكثر بكثير مما يعتمد علي ما يعرفه من معلومات ويكرسه من وقت للبحث في ظواهر الأشياء ، فالتدبر حالة انفعالية يتأثر فيها المؤمن بما يحسه ويدركه من دقة وجمال في كون الله الواسع وليس التفكر حالة معرفية باردة تزداد بازدياد المعلومات

لذلك من كان له إيمان الصحابة يكفيه القليل من الإيمان الظاهر لما يراه في بيئته والقليل من الوقت ليصل إلي أعماق من التفكر لا تشرئب إليها أعناق أمثالنا من الضعفاء وفي المقابل فان من كان له علم الأولين والآخرين بما يتفكر فبه وكان له كل ما يريد من وقت وهدوء بال ولكنه ضعيف في إيمانه فلن يصل إلي درجة عالية من التفكر مهما بذل من جهد .

التفكر في سنن الكون بين العلم التجريبي والدين

ان كانت هذه المكانة العالية التي أعطاها الإسلام لعبادة التفكر في خلق الله ، فقد تعس من أغلق قلبه وسمعه وبصره وبصيرته عن آيات الله الواضحة التي تعرض عليه صباح مساء في صفحات الكون الناصعة ( وكأين من آية في السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون )صدق الله العظيم ( يوسف 75 ) بل ان بعضا من هؤلاء الغافلين ليعرفون كثيرا من خبايا آيات الله في المادة والطاقة وفي علم الحياة ، لكنهم لا يرتفعون بهذه المعرفة عن جوانبها الظاهرة السطحية فلا ينفذون من بدائع الخلق إلي خالفها وبارئها:( يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة غافلون) صدق الله العظيم (الروم الآية رقم 70)

أننا نلحظ إن تفكر المسلم في الكون وبحوث العالم التجريبي الحديث يتشابهان ولو ظاهريا ، في أن كليهما لا يفتش عن الأشياء المتفرقة التي لا صلة بينها ، بل يستنصيان السنن والقوانين العامة الثابتة في خلق السموات والأرض . ولعل هذه الفطرة التي أودعها الله جزب قلوب الرجال هي التي تجعل المتفكرين من علماء اليوم يتحدثون بلغة العباد ، فنستمع إلي عدد من العلماء حول ذلك أمثال ابن القيم رحمه الله ، الغزالي رحمه الله ، مصطفي محمود ، الزمخشري ، .. والذين عرضوا أمثلة لعمق تفكر المتدبر من علمائنا وعبادنا تظهر فيها بوضوح قدرتهم علي سير الأغوار للأشياء واكتشاف سنن الله في خلقه ، وأن هذا البحث من النواميس التي تنظم الكون يشترك فيها العبد المتفكر مع الباحث الحديث وان اختلفت الغايات وتباينت الملل ، ذلك بأن هذا الانتظام في الكون الذي يبحث عن قوانينه ومبادئه العلم التجريبي الحديث ، والذي يسمح لنا بالتنبؤ بأحداث الكون بدقة فائقة ، هو بذاته من أهم الأدلة التي يستخدمها القرآن الكريم لإثبات حقيقة الحقائق ...

أن لهذا الكون حالقا إلها يمسكه وفي هذا يلجأ الوحي لاستثارة فطرة أعقدها الله في جذب قلوب الناس أولا وهي البحث عن هذه السنن والنواميس التي تنسق الكون :

(ان الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ذلكم الله فأني تؤفكون ، فالق الإصباح وجعل الليل سكننا والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم ، والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم ،لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في ملك يسبحون ) صدق الله العظيم .

إن ظاهرتي انتظام السنن الكونية هذه ومن ثم التنبؤ بها في ظل هذا التناسق الدقيق ، هما في الحقيقة حجرا الزاوية للطريقة العلمية الحديثة method scientific ولا يقوم للعلم التجريبي صرح بدو نهما .

إن الارتباط بين مداومة الفكر في كون الله الواسع كعبادة راقية وبين تقدم العلم ،أمر يؤكده تاريخ تقدم العلم التجريبي للأمة الإسلامية . فما من شك في أن الكشوفات والاختراعات التي قدمها علماء المسلمين في كل حقل وميدان فأذهلت العالم بأسره ، قد علمت أوربا الطريقة العلمية التي قامت علي أساسها حضارتها الغربية الحديثة ... ما من شك في أن هذا التقدم كان نتيجة مباشرة لإيمانهم العميق بالله و بسبب إتباعهم لتعاليم دينهم بالنظر في السموات والأرض ، والبحث عن سنن الله ونواميسه وآياته وحكمته في مخلوقاته مع الاستجابة لأمر رسول الله صلي الله عليه وسلم بطلب العلم .

إذن التصور المادي الجاهلي الذي أوهم الإنسان الغربي بأن التقدم العلمي قهر الطبيعة هو الذي ْأعطي الحضارة المادية الحديثة صورتها المشهودة والمشوهة المقطوعة الصلة بالله ، لذلك فان العالم بأسره في حاجة ماسة لربط العلم بالطمأنينة التي ينشئها التصور الإيماني والي السكينة التي تفيضها الفطرة المنبثقة من منهج الله وسننه . "ولن تجد لسنة الله تبديلا "(الأحزاب – والفتح)62-23 .


تلخيصاً عن كتاب (التفكر  من المشاهدة إلى الشهود) للدكتور مالك بدري

 

        التفكر مقالات الرئيسية